أرشيف مضاد
ينطلق مشروع "أرشيف مضاد" من قراءة المشهد الطبيعي الفلسطيني كمساحة دائمة التغيّر، تحمل داخلها طبقات من الذاكرة، والاقتلاع، والتحول، لتعيد في كل مرحلة تشكيل علاقتنا بالمكان. يعود المشروع إلى مرحلة ما قبل أوسلو، ويمر بما راكمته السنوات في المشهد حتى حاضرنا، ثم يمتد هذا الخط إلى ما بعد خمسين عاماً إلى الأمام. يحاول المشروع استخدام المستقبل القريب كمساحة اختبار يمكن من خلالها إعادة النظر فيما كان، وفيما أصبح عليه المكان اليوم، وفيما يمكن أن يكون.
على مدار ثلاثة أشهر من البحث، والقراءة، والتطوير، والإنتاج، تابعت خمس فنانات سؤال المشروع من مداخل مختلفة. تنوعت مسارات البحث بين الذاكرة وما يقاوم محوها، والمكان حين يضيق وتنكمش معه احتمالات الحركة والخيال، والحجر وما يتراكم داخله من معانٍ، والأشياء التي تُقتلع من سياقها وتتغير ثم تعود إليه، واللغة البصرية التي ترسم علاقتنا اليومية بالطريق والحركة والوصول. تجتمع الأعمال الفنية المشاركة في محاولة لطرح خمسة احتمالات، انطلقت جميعها من أثر موجود في الحاضر لتحاول دفعه إلى زمن لم نصل إليه بعد.
تتوزع الأعمال الفنية المشاركة في المعرض الفني بين القدس، ورام الله، وبيت لحم، والجليل، بحيث يوجد كل عمل داخل مساحة تتقاطع مع طبيعة إنتاجه وسياقه. في المقابل، تجتمع آثار سيرورة الأعمال في منصة أرشيفية واحدة في مكتبة ليلى المقدادي القطَّان في مركز القطان الثقافي في رام الله، تجمع صوراً، وخرائط، ووثائق، وكتابات، وملاحظات ومواد بحثية، تُحفظ وتُرتب ضمن ملفات وكودات لتشكل طبقة أخرى تستعرض رحلة البحث الفني حتى هذه اللحظة.
في أرشيف مضاد يقف الماضي والمستقبل على مسافة متقاربة، وننظر إلى ما حدث إلى جانب استشراف تفاصيل ما يمكن أن يحدث، في محاولة لأرشفة خمسة احتمالات تتقاطع مع المشهد الطبيعي الفلسطيني، قبل أن تصبح الأعمال الفنية جزءاً من ذاكرة المكان.
نصوص الأعمال:
نوران جولاني - العمل السادس
على مدار ثلاثة أشهر من برنامج حوارات "أرشيف مضاد" تراكمت صور، وخرائط، ووثائق، ونصوص، وملاحظات، ومراجع، ومحاولات، بعضها وصل إلى الأعمال الفنية النهائية وبعضها بقي جزءًا من رحلة البحث. العمل السادس هو مواد تم تفريغها وفرزها واعادة ترتيبها ضمن ملفات خاصة، بحيث تحمل كل مادة كوداً وموقعاً داخل أرشيف يوثق سيرورة كل عمل وما طرأ عليها من تحولات. يؤرشف "العمل السادس" عملية التخيّل، وما تم البحث عنه، ما عُثر عليه، ما تغير، ما بقي وما ساهم في الوصول إلى هذه الاحتمالات الخمسة، ولا يكتفي بالصورة النهائية للأعمال المشاركة. بهذا تصبح المنصة أرشيفاً لشيء لم يحدث بعد، ومحاولة لحفظ أثر اللحظة التي بدأ فيها المستقبل بالتشكل.
دارينا جبر - بغدٍ مشرق، سأذهب الى هناك
تبدأ الرحلة من موقف باص، من مكان مألوف ننتظر فيه الوصول إلى مكان آخر، ولكن هنا لا تخضع الوجهات للحدود التي نعرفها، بل تتحول إشارات الطريق؛ لوحات المواعيد وأرقام الحافلات، إلى نظام ملاحة لجغرافيا متخيلة، يمكن من خلالها الوصول إلى حيفا، ويافا، وبيروت، والمرور من طريق الورود دون أن يسبق الرحلة سؤال عن الحواجز أو التصاريح أو إمكانية الوصول.
من خلال تصميم لغة النقل العام، يبني العمل يوتوبيا صغيرة تبدو فيها حرية الحركة أمراً عادياً وبديهياً، بحيث يبدأ كمخطط بسيط لرحلة بالحافلة، يتحول إلى تخيل لجغرافيا أخرى لفلسطين ما بعد التحرر قد لا تكون موجودة بعد، لكن يمكن البدء بالوصول إليها بمجرد تخيلها.
شذى صافي - الانكماش
ينطلق العمل من مفهوم "الانكماش"، حيث يمكن للمكان أن ينكمش دون أن تتغير أبعاده الجغرافية كما في التجربة الفلسطينية، تعيد الحواجز، والجدران، والالتفافات، والاكتظاظ تشكيل علاقتنا بالمساحة، فيصبح المكان القريب بعيداً، والطريق القصير طويلاً، وتمتد محدودية المكان من الحركة والوصول إلى الذاكرة والعلاقات والقدرة على تخيل المستقبل.
يسقط العمل الفني هذا الواقع على ثمانين عاماً بتخيل مسارين محتملين؛ إما أن يستمر الانكماش حتى تصبح الحركة تكراراً داخل مساحة مغلقة، وإما أن يستعيد المكان قدرته على الاتساع، والحركة والاختيار. وبين الاحتمالين يبقى السؤال: عندما ينكمش المكان من حولنا، هل ينكمش معه مجال حركتنا فقط أم ينكمش، أيضاً، مجال خيالنا واحتمالات مستقبلنا؟
إخلاص صوالحة - طلاسم الذاكرة
طلاسم الذاكرة ينطلق من أرشفة كتابات وأعمال يدوية خرجت من سجون الاحتلال بعد حرب السابع من أكتوبر، منها كتابات ومسبحة نجت من احتمال الفناء لتحمل معها أثراً لمحاولات الحفاظ على الخيال والذاكرة في مكان آخر لا تُفرض فيه السيطرة على الجسد والمكان والوقت.
يتعامل العمل مع هذه المواد لا بوصفها وثائق تروي ما حدث فقط، بل كأثر لوسائل طورتها الأسيرات للمواجهة، ورفض محو الذاكرة، بل وبناء ذاكرة المستقبل عبر الكتابة، والتشفير، وصناعة طرق لحماية ما يمكن أن ينجو، وأرشيف لذاكرة تحاول الوصول إلى الخارج.
هيا قعوار - حجرة ورقة رصاص
يتتبع العمل حضور الحجر في حياة الفلسطيني من خلال خمسة محاور:" بيت، لعبة، ركام، أداة مقاومة، قبر" عبر كتاب يحمل بداخله أربع طبقات "الماضي، الحاضر، مفردات لغوية، تخيل المستقبل" من خلال هذا البحث ينتقل الحجر بين هذه المواقع وتتغير وظيفته ودلالته مع تغير الواقع الذي يوجد فيه.
يحمل شق المستقبل عملاً تفاعلياً من تداخل الجمهور وإنتاجه، بحيث يطرح سؤالاً لمخيلة المشاهد، ويطلب تطبيق رسم تخيلي لمستقبل الحجر في فلسطين دون احتلال: كيف سيتداخل الحجر في حياتنا حينها؟ وما الذي سيتحرر منه أو يبقى فيه؟ وهل يمكن اختزال المحاور الخمسة إلى ثلاثة: بيت، لعبة، موت؟
يمامة خالدي - مِن مَن إِلى أَين؟
ينطلق العمل من بحث في منطقة "الغابة" في بسمة طبعون عبر أرشيف صور يعود إلى العام 2012، تتتبع فيه الفنانة أغراضاً ظهرت داخل المكان، وتعيد النظر في علاقتها به، ليمر بعدها بمراحل عدة: "اقتلاع هذه الأغراض من مكانها، إعادة تشكيلها وتخيّل احتمالات أخرى لها، ثم تعيدها إلى المكان ذاته بوظائف وقيم ودلالات مختلفة"، ليبقى المحيط كما هو، بينما يتغير الغرض لا أكثر. في هذه الحركة تتعامل الفنانة مع الأغراض كما لو كانت أجساداً تحمل تجربة المكان، وتربط بين اقتلاعها وإعادتها، وبين تاريخ عائلة والدتها التي هُجرت من المنطقة ثم عادت إليها لاحقاً بعد أن تغير المكان وتغيرت معه علاقتها به.
يتشكل العمل ككتاب كولاج يجمع بين الأرشيف، والخرائط، والصور، والرموز والمواد المتخيلة لمستقبل الأغراض في "الغابة" وكما يضع الموثق إلى جانب المتخيّل والمحتمل عبر تسلسل معين، لا تسأل الفنانة فقط عمّا كان عليه الغرض أو ما هو عليه الآن، بل عمّا يمكن أن يصبحه وما الاحتمالات التي يحملها الغرض إذا أُخرج من مكانه ثم أُعيد إليه بشكل آخر؟ هنا لا يأتي المستقبل كصورة جاهزة للمكان، بل يتشكل من احتمالات ومن قدرتها على العودة محمّلة بمعانٍ جديدة.