تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مؤسسة عبد المحسن القطان تطلق معرضين فنيين حول الحزن والتحولات العمرانية في غزة

 

افتتحت مؤسسة عبد المحسن القطان في مقرها بمدينة رام الله، يوم السبت الموافق 16 أيار 2026، المعرض الجماعي "هوامش الفقد" بإشراف القيّم أمين السادن، والمعرض الفردي "وجه المدينة" للفنانة شيرين عبد الكريم.

 

في كلمتها الافتتاحية، أشارت فداء توما، المديرة العامة لمؤسسة عبد المحسن القطان، إلى تكامل المعرضين قائلة: "يسعدنا أن نفتح اليوم أبواب صالة العرض للجمهور؛ لزيارة معرضين عملنا على تطويرهما في مسارين مختلفين. لم تكن النية في البداية أن يتقاطعا، لكن يبدو أن الفقد في تجربتنا وذاكرتنا الجمعية كفلسطينيين لا يسمح بالفصل الكامل بين المسارات. فنحن نستحضر اليوم ثمانية وسبعين عاماً على النكبة المستمرة، لا كحدث ماضٍ فحسب، بل كواقع يتجدد في الجغرافيا، وفي الذاكرة، والأجساد، واللغة".

 

ويأتي افتتاح "هوامش الفقد" ضمن مشروع "هَسهَسة الرِّثاء" الذي أطلقته المؤسسة منذ بداية العام، ويُعد المحطة الثانية بعد معرض "مدونات عن الحزن" الذي استمر من لمدة أربعة شهور منذ بداية كانون الأول 2026 حتى نيسان.

 

يواصل المعرض الذي سيستقبل الزوار حتى كانون الأول 2027، استكشاف الحزن كحالة ممتدة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الذاكرة الجماعية؛ حيث يصبح الفقد بنيةً معاشةً لا حدثٍ يُروى، منطلقاً من مقاربة ترى في التعبير عن الفقد فعلاً مقاوماً للإنكار، وإصراراً على تثبيت الذاكرة في مواجهة التلاشي. ولا يسعى المعرض إلى تفسير الحزن أو احتوائه، بل إلى الإقامة داخله بوصفه تجربة مفتوحة تتداخل فيها اللغة مع الجسد والمكان، وتلامس ما يتعذّر تمثيله أو استعادته.

 

وفي الكلمة التي قرأتها "توما" نيابةً عن "السادن" لتعذّر حضوره الافتتاح أضاف السادن: "رغم أن هذا المشروع يتمحور حول الحزن والفقد، فإن الأمل يظل جوهره الخفي؛ أملي أن يكون الوعي بواقعنا المثقل بالآلام بدايةً لحياةٍ أكثر صدقاً، وعملاً أكثر خلاصاً وإنسانية".

 

ويضمّ "هوامش الفقد" 16 عملاً فنياً تشكّل معاً مساحة بصرية وسردية متعددة الأصوات، يشارك في تقديمها فنانون وفنانات من اليمن، السودان، العراق، سوريا، تونس، الجزائر، لبنان، وفلسطين. تأتي هذه الأعمال من سياقات جغرافية وتجارب إنسانية مختلفة، حيث يقدّم كل عمل قراءة خاصة تنبع من تجربة فردية، وتتقاطع في الوقت ذاته مع واقع جمعي أوسع. 

 

 

 

ويقدَّم المعرض مجموعة من الأعمال، من بينها: "حاولت بك جهدي" للفنان طارق كيسوانسون، و"موكب الأحزان" للفنانة فيرا تماري، و"جذوري تؤلمني: أحلم بأرض مغيبة" للفنانة سارة القنطار، و"سرديات الجمر" للفنان ريسان حميد، و"كأنه يوماً في الرحم" للفنانة ثناء فاروق، و"عبور" للفنانة مرجان غنايم، و"رقمي" للفنان إسماعيل بحري، "رثاء لأم غائبة" للفنانة ريم مصري، و"إنذار بلدي" لجو نعمة مع مايا خالدي، و"رح تعملي عيوني" للفنان حسين ناصر الدين، و"تلك التي ما رأت إلا جميلاً" للفنان حسين شيخة، و"بطاقات بريدية من غزة" لكل من الفنانين سهيل سالم وخلود حماد وروان مراد وشيرين عبد الكريم وأسامة حسين، و"ماذا يترك الآباء خلفهم؟" للفنان صادق الحراسي، و"الشروخ تتخلل حياتنا" للفنانة علا حسنين، و"نجمة البحر" للفنان رشيد قريشي، و"كل الذين استراحوا على صدرنا" للفنان نديم شوفي.

 

يأتي معرض "وجه المدينة" للفنانة والمهندسة المعمارية شيرين عبد الكريم حسنين ضمن دعوة أطلقتها مؤسسة القطان للفنانين لاستخدام مساحاتها في تقديم معارض فردية وجماعية بدعم من فريق المؤسسة. وتُقدم الفنانة عبر هذا المعرض قراءة بصرية لذاكرة مدينة غزة وتحولاتها العمرانية والإنسانية، مستخدمةً مجموعة متنوعة من الوسائط التي تجمع بين الفيلم، والكولاج الرقمي، والخرائط، والطباعة ثلاثية الأبعاد، بالإضافة إلى مساحة تفاعلية مفتوحة للجمهور.

 

 

تستكشف الفنانة عبر إعادة بناء مشاهد لمدينة غزة قبل الحرب التحولات التي طرأت على نسيجها المعماري والاجتماعي، وأثر ذلك على التجربة الإنسانية اليومية. ويضم المعرض فيلماً قصيراً بعنوان "ذاكرة وجه المدينة" (2023)، تبلغ مدته 11 دقيقة، يمزج بين التصوير الواقعي وإعادة البناء ثلاثي الأبعاد، متتبعاً ملامح المدينة منذ عام 1998 وحتى السنوات الأخيرة قبل الحرب. ويعتمد الفيلم على دمج اللقطات الأصلية بالصور المُرمّمة رقمياً؛ ليقدّم سرداً بصرياً يعكس التحولات العمرانية والاجتماعية والسياسية، مع التركيز على تفاصيل الحياة اليومية وعلاقة الإنسان بالمكان. كما يتضمن المعرض سلسلة من 15 كولاجاً رقمياً تعيد تركيب التفاصيل المعمارية للواجهات والشوارع في مشاهد مركّبة تتداخل فيها طبقات الزمن والذاكرة، إلى جانب خرائط توثّق النسيج العمراني للمدينة قبل الحرب، وأعمالاً مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد تستعيد ملامح الواجهات وعلاقاتها المكانية.

 

تصف توما المعرضين بقولها: "إذا كان المعرض الأول يدعونا إلى الإصغاء لنداء الفقد، ولصوته وهمسه ورثائه الخافت، فإن هذا المعرض يوجهنا نحو النظر: إلى الصورة، وإلى الوجوه، وإلى ما يظل عالقاً في العين حين يتغير المكان أو يُدمَّر. وبين السمع والبصر، وبين الصوت والصورة، يلتقي المعرضان عند تساؤل جوهري: كيف نحفظ ما يُراد له أن يُمحى؟ وكيف نحول الفن إلى مساحة للشهادة، لا للغياب وحده؟"