Home عرافات: فن تذكر المستقبل | مسابقة الفنان الشاب 2020

عرافات: فن تذكر المستقبل | مسابقة الفنان الشاب 2020

فتح باب التقديم : 
08-06-2020
آخر موعد للتقديم : 
30-07-2020
إعلان النتائج : 
30-09-2020

الصورة ل: عمر شلا، "خيول" من مشروع حديقة حيوان غزة، 2020، تصوير فوتوغرافي

For English click here*

 

"كنت قد التقيتها في أحد مكاتب "الثورة"، ولمّا لم يكن لديّ ما أفعله، فكرت بإقامة علاقة معها...".[1]  هكذا تبدأ الحركة الثانية في قصة الكاتب رسمي أبو علي "قط مقصوص الشاربين اسمه ريّس".  تصوّر القصّة التي ظهرت في مجلة الآداب العام 1977 العلاقة ما بين فلسطيني مهنته كما هو ظاهر في بطاقة التعريف على أحد الحواجز، "مقاتل في مقاومة"، وصحافيّة سويسريّة، وقطّ شوارع.  تدور أحداث القصّة في بيروت خلال السبعينيات في أوج "الثورة" الفلسطينية التي تبدو مع مصطلحاتها وكل "أدوات العمل" الفلسطينية خلفيّة باهتة للقصّة.[2]  في حين ركزت القصة على الأبعاد المعقدة والمتعددة للشخصية الثورية، بما في ذلك تصرفاتها السخيفة العدمية والعبثية، وبالتالي تهشيم الصور الجاهزة والمثالية وشبه الكاريكاتورية للثوري في الأدب حينذاك، كشخص جدي، وعلى استعداد دائم لمتابعة النضال والمقاومة المعادية للاستعمار.  فالقصة بهذا المفهوم، قد ثوّرت صورة الثوري والثورة من خلال إرساء الرغبات الإنسانية والحياة بحد ذاتها كقاعدة لها.

تأتي كتابة القصّة بالنسبة لأبو عليّ باعتبارها محاولة تصحيح لـ"الثورة" في السياسة والفكر والثقافة، من خلال تحويل الانتباه إلى هوامش تلك الثورة التي نكرها الثوريون ورفضوا الاعتراف بها.  تشير عمليّة نشر تلك القصّة في مجلة الآداب اللبنانية إلى وجود أعمال غير مرحبّ بها في الثقافة الثورية الفلسطينية في تلك الفترة.  قدم أبو علي القصة بداية لمجلة "شؤون فلسطينية" ورئيس تحريرها محمود درويش الذي أعرب عن إعجابه بالنص قائلاً إنها إحدى أروع عشر قصص قصيرة قرأها في حياته، إلا أنه لا يستطيع نشرها في مجلة سياسية جدية مثل "شؤون فلسطينية".[3]

بيد أن محاولات أبو علي الاحتفاء بالهوامش والتسليم بها لم تُستنزف، حيث قام بعد سنتين من نشر "قط مقصوص الشاربين" بإصدار "مانيفستو الجنازة رقم صفر للفن والعمل واللعب" مع الكاتب التونسي الصافي سعيد في مسعى إلى العودة إلى الحلم الشيوعي وإلى ماركس كشاعر.  تلى ذلك إصدار مجلة "رصيف 81" مع الشاعر الفلسطيني علي فودة وثلة من الكتاب والشعراء العرب الذين دعوا أنفسهم بـ "الرصيفيين".  طمح الرصيفيون، عموماً، إلى تثوير الثورة عبر الأدب؛ توقاً لبدء حركة احتجاج ثقافية وفكرية على هوامش حركات التحرر والمقاومة الفلسطينية التي -بحسب كلمات أبو علي- "محكومة بالبيروقراطية الثورية المشابهة لبيروقراطيات الأنظمة العربية".[4]  يكتب أبو علي في اعتراف لاحق حول دوافعه لابتداع "رصيف 81"، ومن ثم الانتقال إلى الشعر:

كانت لي خطة إبداعية وهي محاولة تهشيم البنية الفوقية الإبداعية للثقافة الفلسطينية، باعتبار أن تهشيمها أو إضعافها، يفتح الطريق لثقافة ثورية أخرى كنت أطمح إليها، وكنت وقتها أنظر إلى الثقافة الفلسطينية، وبالتالي السلوك الفلسطيني، باعتباره محافظاً جداً.  أردت أن أحدث ثورة داخل الثورة، وهنا برز دور الشعر باعتباره سلاحاً يومياً، تكتيكياً وسريعاً وخاطفاً، أشبه بحرب عصابات إبداعية تحت عنوان "اضربْ، واهربْ"، لقد كنت أشن حرب عصابات ثقافية بأشعار قصيرة ... .

[...]

كنت أؤمن، أيضاً، بنظرية "التفجير المتسلسل" عن طريق الكلمة المختلفة الصادمة، بحيث تحدث نوعاً من التفجير في ذهن القارئ، قد يقود إلى تغير في الواقع.[5]

في كافة الأحوال، استمر أبو علي بتعريف "رصيف 81" كـ "حركة المهمّشين؛ ومن هم مهمشون الآن أو من سوف يهمشون في المستقبل، مع الأخذ بالاعتبار "أن الرصيف يتسع يوماً بعد يوم إلى حد ما".  (وقد أعلن في الواقع في العدد الأول من المجلة أنه "لا مسافة بيني وبين الرصيف، فأنا الرصيف").[6]

استُقبل الاصدار الأول من "رصيف 81" بالترحاب في الأوساط الثقافية والأدبية في بيروت عموماً. وجعل الإحجام عن تسمية رئيس للتحرير القراءَ يدركون بأنها مجلة ثورية، سوى أنها بمفردات وأسلوب يختلف عن تلك التي اعتادوا عليها.  وهكذا، ولّد العدد الأول جواً جديداً شبه طليعي.  غير أن العدد الثاني تزامن صدوره مع الاجتياح الإسرائيلي لبيروت العام 1982، فضلاً عن استشهاد علي فودة أثناء القصف وتشتت الباقين، ما أدى إلى توقفها.  وصل أبو علي إلى عمّان بعد حين، حيث استمر في سُكنى الهامش وحراسته حتى وفاته في مطلع 2020.[7]

في غضون ذلك، وكما في العديد من الأمكنة الأخرى، كان تبني سياسات اقتصادية نيوليبرالية لبناء الدولة الفلسطينية المزعومة في أوجه.  فمنذ العام 2007، وُجّه حلم "الثورة" والتحرر الفلسطيني إلى إعادة هيكلة مجتمعية نيوليبرالية، ممهدة لبزوغ أشكال جديدة من الترتيبات المكانية، استمرت بالتزامن مع الممارسات القمعية للدولة والجيش الإسرائيلي في فلسطين، وهي في الواقع حصيلة للأخير.  وقد انبثقت مثل هذه الأشكال المكانية على سبيل المثال، على شكل مناطق سكنية حصرية، ومشاريع إسكانية، وأبراج تجارية راقية، تضخ مفاهيم استهلاكية للمواطنة، ورؤية جديدة ونسخة جديدة من الهوية الفلسطينية.

لا يستطيع المرء على ضوء هذه التبدلات، أن يتفادى استدعاء قصة أبو علي القصيرة "قط مقصوص الشاربين" المنشورة العام 1977، كنبوءة للحياة التي قد يعيشها الفلسطينيون اليوم، ليس في الهوامش وكعمل ثوري، بل في المركز وكطريقة محافِظة للحياة.  وباتت العدمية والعبثية والتهربيّة هي الأدوات التي وفّرتها النيوليبرالية اليوم لتحييد الثوريين.  وبهذا يجوز القول، إن الحياة الكئيبة في مركز حياتنا الحاضرة هي حلم مستقبلي لماضٍ ثوري مهمّش.

وحيث يخيم إرث أبو علي على حاضرنا، نجد أنفسنا مدفوعين لإعادة قراءة نصوصه وأفعاله الثقافية متسائلين: كيف يمكننا في ظل مثل هذه الظروف وهذه المدركات، تخيل مستقبل يأبى أن يكون ضحية حلم محافظ بالتحرير، تجري تغذيته في الحاضر؟

يتضح في يومنا هذا أن فلسطين، باعتبارها فكرة تحرير تشكّلت على مدى عقود من النضال والمقاومة والخلق الفني على يد فلسطينيين وغير فلسطينيين، كانت موضوعاً لعملية تفكيك متواصلة.  لذا، هناك ضرورة لعملية إعادة تشكيل وإعادة بناء مسؤولة لتعريفات فلسطين والفلسطينيين في نضالاتهم وثوراتهم من جديد، باعتبارها موقعاً للاعتراض على الاضطهاد والقسر، وباعتبارها قاعدة لتخيل شكل جديد للتكاتف يجتاز كل الحدود الوطنية والإثنية والجغرافية، ويمهد تبعاً لذلك الطريق للانعتاق من الإنسان بحد ذاته.  ونتساءل: ما هو الفضاء الذي بمقدورنا تخيله أو خلقه، باستلهام اللاءات كافة التي يستمر الفلسطينيون بترديدها، والمقترحات كافة التي يستمرون برفضها؟ وكيف نعتبر الهوية الفلسطينية موقفَ شاهد، ومنظوراً يمكن أن يرسي أسس عالم يقوم على الرعاية المتبادلة بدلاً من التعاطف القومي؟ وفي هذه الحالة، نطرح سؤالاً عملياً: ماذا يتوقع الفلسطيني من الآخرين حتى تصبح حياته أو حياتها صالحة للحياة؟ وماذا يتوقع الفلسطيني من نفسه أو نفسها حتى تصبح حياة الآخرين صالحة كي تعاش؟

للمخيلة والمقاومة أهمية كبرى لمعالجة هذه الأسئلة، وللتفكير في كيفية مقاومة وهدم التجليات الحاضرة للقمع الذي نشهده، أيضاً، في جمود المخيلة السياسية، والتمزيق المستمر للمجتمعات، وبناء المبني على المعايير الثقافية والاقتصادية والدينية والفضائية الحيزية من بين أمور أخرى.

يمكن لحقل الثقافة -كما اقترح أبو علي والرصيفيون قبل أربعة عقود- أن يكون حقلاً ريادياً في توفير الأدوات اللازمة لنشر ونقد ومساءلة العنف اللامحدود الذي يهدف إلى نزع إنسانيتنا باستمرار، وفي الوقت ذاته، يمكن للثقافة أن تكون إحدى الوسائل الرئيسة في عملية تحريض مخيلتنا لمواجهة الاضطرابات الجارية، وفي طرح الرؤى لمستقبلات بديلة.  لذلك، من الضروري أن ينخرط ممارسو الثقافة والأكاديميون والفنانون والمفكرون النشطون في الحاضر في عملية الاستذكار والكهانة للتوصل لرؤى بديلة لمستقبل أكثر عدالة.

بإطلاق مشروع "عرافات: فن تذكّر المستقبل"، تسعى مؤسسة عبد المحسن القطَّان إلى مقاربة هذه الأسئلة، إلى جانب أسئلة أخرى ذات علاقة.  وبناءً عليه، تدعو الفنانين، والمثقفين، والأكاديميين، والقيّمين، ومؤرخي وناقدي الفن، وبخاصة الذين شاركوا في النسخ الماضية من مسابقة الفنان الشاب (اليايا) إلى مشاركة رؤيتهم حول مستقبل يقلب ظروف الحرمان الإنساني الحاضرة التي يخضع لها العديد في كل أنحاء العالم، في ظلّ النزاعات المحلية والإقليمية والعالمية السياسية والاجتماعية الراهنة.

خلافاً للدورات العشر الماضية، سيتم تكريس هذ الدورة من "اليايا" كمحطة تأملية فارقة لتخيل شكل المستقبل، بما سوف ينطوي عليه من فرص وإمكانات ومخاطر، وذلك من خلال تشجيع سلسلة من نماذج تعلُّم.  هذه النماذج هي عبارة عن عملية تعلّم وبحث، وتشمل سلسلة من ورشات العمل، وتدخلات فنيّة، ونقاشات، وجولات مشي، ومساقات تعليمية، ... إلخ.  سيتم عرض مخرجات هذه النماذج، ومناقشتها بإمعان وتوليفها، بهدف التأمل في المستقبل، وإعادة تخيل "اليايا" كمبادرة قادرة على الاحتفاظ بدور ريادي وسبَّاق في الاستجابة لمتطلبات ذلك المستقبل، والحفاظ على تميزها في مشهد الفنون البصرية في فلسطين وخارجها للسنوات القادمة.

يدعو المشروع الفنانين والمفكرين، لتقديم طلباتهم لتخيّل مستقبل فلسطين والاحتماليات والإمكانيات التي بمقدور التجربة الفلسطينية تقديمها للبشرية جمعاء، معتمدين على توقعات قيم ثقافية ومعايير فنية جمالية جديدة.  إضافة إلى ذلك، نسعى إلى مساءلة دور الثقافة في تشكيل المستقبل، مع التعويل على توجهات ثقافية تشيع حاليّاً عن الافتقار إلى الظروف السياسية، وتطبيع ممارسات التحكّم والمحافظة العنيفة.  يرحّب المشروع، بشكل خاص، بالمقترحات ذات الطبيعة الاستقصائية التي تحتوي على أسئلة تفسيرية عن المستقبل القيمي (الآكسيولوجي) للثقافة والفنون البصرية، والاتجاهات والمناهج التي يسلكها العمل الثقافي، بما يشمل العمل المكاتف والرغبة في تكاتفية العمل.  يرحب، أيضاً، بمقترحات متقدمين ينتوون العمل في فضاءات فنية، وبالتكاتف مع مبادرات عبر فلسطين، أو من خلال حوارات مباشرة مع غير فنانين.

من المخطط تنظيم مؤتمر خلال الربع الأخير من عام 2021، بهدف توليف المخرجات والتجارب التي ستنتج عن عدد من التدخلات المختارة ضمن مشروع "عرافات: فن تذكر المستقبل"، والضرورية للتأمل في دور المؤسسات الثقافية، ومن ضمنها مؤسسة عبد المحسن القطان في المستقبل، وللمراعاة والإمعان في اتجاهات وإمكانيات أخرى لمشاريع فنية مثل "اليايا".

 

نموذج تقديم الطلب

لقراءة قصة "قط مقصوص الشاربين اسمه ريّس" اضغط هنا

 

[1] رسمي أبو علي.  "قط مقصوص الشاربين اسمه ريّس"، مجلة الآداب، مج 5-6، بيروت، أيار 1977. [دخول إلكتروني 9 كانون الثاني/يناير 2020: https://archive.alsharekh.org/Articles/255/20303/460752]

[2] عبده وازن.  "رسمي أبو علي، مبدع في قلب الأدب الفلسطيني... وعلى هامشه"، إنديبيندنت عربية، 9 كانون الثاني/يناير، بيروت، 2020. [دخول إلكتروني 24 آذار/مارس 2021: https://www.independentarabia.com/node/85301/ثقافة/رسمي-أبو-علي-مبدع-في-قلب-الادب-الفلسطيني-وعلى-هامشه]

[3] المصدر نفسه.

[4] حسين بن حمزة.  "رسمي أبو علي على رصيف بيروت"، صحيفة الأخبار، بيروت، 6 كانون الأول 2011.

[على الإنترنت 18 آذار/مارس 2020]:https://al-akhbar.com/Last Page/81561

[5] رسمي أبو علي.  "قط مقصوص الشاربين اسمه ريس"، جريدة الأخبار، بيروت، 5 كانون الأول 2014، ملحق كلمات.

[6] المدن، رحيل رسمي أبو علي، 9 كانون الثاني 2020، [نشرت على الإنترنت بتاريخ 18 آذار 2020]: https://www.almodon.com/culture/ رحيل رسمي أبو علي منظّر الهامشية في زمن الثورة.

[7] العربي الجديد، "رسمي أبو علي، نهايات عند ذاك الرصيف"، 9 كانون الثاني/يناير 2020، [على الإنترنت 20 آذار/مارس 2020]:

 https://www.alaraby.co.uk/culture/رسمي أبو علي نهايات عند ذاك الرصيف.