الرئيسية مؤسسة عبد المحسن القطان الإعلام قصص نجاح عنبتا: "وجوه للأقنعة: معرض للتجربة" ... نساء وفتيات يبحثن عن وجوههن الحقيقية

عنبتا: "وجوه للأقنعة: معرض للتجربة" ... نساء وفتيات يبحثن عن وجوههن الحقيقية

"كنت أفكر إني ما بحب الفنّ.  أنا ربّة منزل، تركت المدرسة بصف الثالث الإعدادي، حياتي طبخ وغسيل، لما جيت هون قالوا لي ارسمي واكتبي وعبّري.  شوي شوي حسيت إني صرت أتغير.  صرت أحب الكتابة، صرت أقول لابني جيب أرسملك أو أعملك طين.  هاي التجربة غيرتني، صرت أحس إني أقوى، وإنه عندي إشي أعبر عنه".

هكذا تصف نجود عموري (40 عاماً) تجربتها في معرض "وجوه للأقنعة: معرض للتجربة" الذي شاركت فيه بعمل فنيّ هو عبارة عن مجسّم من صلصال لشخصية كان لها أثر عميق في حياتها، وساهمت في قصتها الشخصية، اختارت أن تكون هي نفسها هذه الشخصية.

وشاركتها في التجربة عينها، تحت عنوان "قمر أربعطاش"، 13 امرأة أخرى تراوحت أعمارهن بين الأربعين والستين عاماً.  وفي القسم الآخر من المعرض شاركت 20 شابّة في زاوية التصوير "امسك بالكاميرا".

وكان برنامج البحث والتطوير التربويّ في مؤسّسة عبد المحسن القطّان قد افتتح، الخميس في عنبتا، المعرض الفنيّ، بالتعاون مع الوكالة السويسريّة للتنميّة والتعاون (SDC) وبيت النساء التنمويّ، ضمن مشروع "الثقافة والفنون والمشاركة المجتمعيّة".

ويقول مالك الريماوي مدير مسار اللغات والعلوم الاجتماعية في البرنامج: إن عنوان المعرض "وجوه للأقنعة"، يعكس جوهر المشروع، وهو البحث عن الوجوه الحقيقية لنا كأفراد لنكشفها ونكتشفها من خلال الفنون المتنوعة، فغالباً ما نضطر إلى العيش في أقنعة فُرضت علينا من الخارج.

وأضاف: إن الجزء الثاني من الاسم "معرض للتجربة"، يعكس حقيقة أن المعرض لم يُعدّ لذاته، بل استكمال لتجربة المشروع وعرض منتجاتها.

في الغرفة الأولى من المعرض يشتبك الزوّار مع أربعة عشر رأساً من صلصال داخل صناديق زجاجية معلّقة بالسقف، كل رأس يروي حكاية امرأة من المشاركات وأحاسيسها وتجاربها في الحياة.  نجود بدورها، تشير، بكل فخر، إلى عملها الفنيّ، مبررّة أنه قد لا يكون عملاً فنيّاً متقناً، لكنّه يعبّر عنها.

ومن اللّافت في المعرض، النصوص المرافقة للأعمال الفنيّة التي تحمل نوعاً من الرمزية، وتعكس تفاصيل شخصية للمشاركات.  ففي الوقت الذي ترافق فيه المنحوتات الاحترافية نصوص تتعلق بالعمل الفنيّ، ونوع المادة، والحجم، نرى هنا نصوصاً تعكس مشاعر هؤلاء النساء باللون والرائحة والملمس المتخيّل.

وتوضح المدربة بترا البرغوثي أن المعرض "قمر أربعطاش" ليس معرضاً للمنحوتات، فالمشاركات لسن فنانات، بل تعاملن مع الطين بطريقة تعبيرية عقب العديد من اللقاءات استخدمت فيها الفنون العلاجية.  وتضيف أنها سعت إلى إطلاق خيال هؤلاء السيدات في محاولة لاكتشاف الذات والوعي بها وتشكيلها كما يرغبن، وليس كما يرغب المحيط.

وتتابع البرغوثي أن استخدام الرمزيّة من خلال عكس الأسماء وإعمال الخيال، جعل المشاركات يشعرن بالأمان أكثر في الإفصاح عما في دواخلهنّ.  مع ذلك تشير إلى أن التحدي الكبير في المشروع كان في فتح نقاشات حول قضايا حسّاسة تعيشها النساء في مجتمعنا، من دون خلق صدام مع المجتمع، فالمطلوب برأيها هو التغيير لا الصدام.

وفي الغرفة المجاورة يشاهد الجمهور فيلماً تروي فيه سيّدة ستينية، أثناء تشكيلها رأساً من صلصال، حكاية امرأة تجمع قصصاً وقضايا مجتمعية عامّة تعيشها النساء في فلسطين وغيرها من المجتمعات المحافظة.  وقد يوحي الفيديو بأن ما يقال عن المرأة وما يُفرض عليها أقل أهميّة مما تنحته بيديها.

وفي الغرفة الثالثة يكتمل "قمر أربعطاش" من خلال عمل أدائيّ تقدمه الفتاة رهف غانم تحت عنوان "شهادة ميلاد"، وفيه تصدم الجمهور بدائرة من الأحداث والأشياء المرتبطة بالرقم "14"، فهي فتاة عالقة في الزمان والمكان، تم تزوير عمرها لتزويجها، وبذلك زُوِّرت روحها وتُركت عالقة في عمر الرابعة عشرة.

وفي جانب آخر من المعرض، تقف مجموعة من الفتيات المشاركات في القسم الثاني من المعرض، وجاء تحت عنوان "امسك الكاميرا"، لأخذ من يرغب من زوّار المعرض في جولة على معرضهن في الطابق الثاني من مركز بيت النساء التنمويّ، وهو مبنى قديم أعيد ترميمه منذ سنوات قليلة.

وعند مدخل المعرض تجدك شهد عبد القادر (16 عاماً)، أمام مجموعة من صورها مستعدة لتعريفك على فكرتها بكل ثقة وعفوية، وتظهر شهد في ثلاث صور فوتوغرافية تركب درّاجة هوائية في منتصف بلدتها عنبتا.

وتقول شهد إنها اختارت الموضوع لأنها تتمنى أن يأتي يوم تستطيع فيه الفتيات في عنبتا ركوب الدرّاجة من دون قيود من المجتمع، مشيرة إلى أنها حُرمت من ركوب الدراجة منذ وقت طويل كونها فتاة، ومن خلال مشروعها تسعى إلى تغيير نظرة المجتمع حول الأمر، أو على الأقل، طرح الفكرة للنقاش.

وفي مجموعة الصور المجاورة لمشروع شهد، اختارت مشاركة أخرى طرح فكرة منع الفتيات من السفر بمفردهن في مجتمعها، حيث اختارت أن تعبّر عن ذلك بالتقاط صورة لجواز سفر موضوع في برواز تذكاريّ كناية عن انعدام فائدته للفتيات في مجتمع يمنعهن من السفر بمفردهنّ.

وناقشت الفتيات العشرون في أعمالهنّ، إلى جانب القضايا الفرديّة، والحريّات، مجموعة قضايا عامّة كالتلوّث البيئيّ، وإهمال البيوت القديمة.  كما يشمل هذا القسم من المعرض، فيديو توثيقيّاً بعنوان "هذا وجهي، هذا أنا" تحدثت فيه الفتيات للكاميرا حول تجربتهنّ مع التصوير.

يقول المصوّر بلال الخطيب إن المشروع بدأ في ورشة تقنية لتعليم الفتيات والشبان كيفية التعامل مع الكاميرا، ثم تطورت الفكرة حول كيفية التعبير عن آرائهم وأفكارهم عن طريق الصورة؛ بمعنى كيف يرون.

ويتابع: المعرض كان بداية لحوار مجتمعيّ، فالهدف منه ليس أن يكون معرضاً فنياً قائماً على الإبهار البصرّي بقدر ما يكون مكاناً لطرح الأسئلة، وأبرز ما فيه أنّه يجمع الهمّ الشخصيّ بالهمّ المجتمعيّ، كون هؤلاء الفتيات هنّ جزء من مجتمعهن.

ويضيف الخطيب أنه لمس تغيراً كبيراً لدى الفتيات المشاركات خلال مراحل المشروع، ففي الوقت الذي بدين فيه أكثر خجلاً وانغلاقاً في بداية اللقاءات، أصبحن يناقشن أفكارهن بثقة وانفتاح كبيرين مع نهاية المشروع، وهو الأمر الذي توافقه فيه المشاركة ماسة البلبيسي (19 عاماً)، موضحة أن المشروع، أيضاً، غيّر نظرتها للتصوير، فهي الآن تفكّر أكثر بالرسالة من كل صورة، إلى جانب تطبيق كل الأمور التقنيّة التي تعلمتها.

وخلال حفل افتتاح المعرض، عبّرت مديرة مركز بيت النساء التنمويّ جهاد سبوبة عن سعادتها؛ كون المعرض نتيجة لما عبّرت عنه النساء بصدق، وبدون أقنعة خلال تدريبات الدراما والفنون العلاجيّة، وكذلك إبداع الفتيات خلال لقاءات التصوير، مؤكدة أن المشروع لم يكن له أن ينجح لولا المشاركة مع المجتمع.

من جانبه، قال مدير برنامج البحث والتطوير التربويّ وسيم الكردي: إن جوهر المشروع في شقيّن، الأول هو المنتج الموجود في القاعات، لكن الشق الأهم هو في العمليّة التي جرت، والتفاعل بين النساء والفتيات من حوار، ومشاركة، وقراءة، وبحث، ونقد، وتحليل، وهو الأمر الذي لا نستطيع مشاهدته بوضوح الآن، لكننا نستطيع لمسه في حيوات هؤلاء النساء والفتيات، وفي حيوات الرجال والأطفال، ومن حولهنّ ويتواصل معهنّ.

يُذكر أنّ مشروع "الثقافة والفنون والمشاركة المجتمعيّة" الذي انطلق منذ ثلاثة أعوام، ونفذت من خلاله مشاريع في 6 مواقع من ضمنها عنبتا، يهدف إلى تعزيز المسؤولية والمشاركة المجتمعية من خلال الثقافة والفنون.

وقد أشرف على المعرض والتدريبات السابقة له، إلى جانب الريماوي، كلٌّ من الفنانين بترا البرغوثي وبلال الخطيب، والمنسقين عبد الكريم حسين وسماح الخواجا، وجهاد سبوبة مديرة مركز بيت النساء التنموي، ورندة أبو صاع منسقة الأنشطة في مركز بيت النساء التنموي في عنبتا.

وافتُتح المعرض بحضور رئيس بلدية عنبتا عبد الفتاح نور، وممثلين عن مديريات الثقافة، والشؤون الاجتماعية، والتربية والتعليم في طولكرم، وكل من الكردي وسبوبة، ومدير عام "القطّان" فداء توما، وسط جمع من أهالي البلدة والمهتمين.