Home مؤسسة عبد المحسن القطان الإعلام قصص نجاح "الفنان في منظومة العمل" .. تجربة جديدة لمعرض في زمن الجائحة

"الفنان في منظومة العمل" .. تجربة جديدة لمعرض في زمن الجائحة

أثارت أزمة جائحة كورونا حول العالم نقاشاً حول أفق العمل الفني، وتأثير الحد من الحركة ومنع التجمع على المعارض، والعروض الحية، وكافة الإتاحات الفنية التي يقابلها وجود جمهور في مساحة مشتركة.  وعلى الرغم من عدم انشغال الرأي العام بهذا السؤال، وعدم التعمق به، أو طرحه بشكل خاص على طاولة الحوار، فإنّه شغل الكثير من الفنانين والأفراد والمؤسسات التي تعمل مع الجمهور، حيث تنوعت الآراء بين مؤيد ومعارض لفكرة نقل أعمالهم، وإتمام عروضهم الفنية بشكل إلكتروني، وتطويع شبكة الإنترنت لاحتواء إنتاجاتهم، حيث كان هناك كثير من الشك في إمكانية أن ينجح هذا الفضاء البديل في بناء عملية عرض وحالة تفاعل ناجعة.  في المقابل، يتوقع آخرون استمرار هذه الجائحة فترة طويلة، ما يستوجب على الفن أن يلبي ضرورة تواجده عبر البحث والانفتاح على مساحات/منصات آمنة.

وعلى الرغم من عرض معظم مساحات الفنون البصرية إنتاجاتها ومقتنياتها مركزة على مواد من الأرشيف، أو توفير المعارض عبر قنوات معدة سابقاً، فإن هناك تواضعاً في التجارب التي تتخطي التقنية كأداة، في مقابل كونها مساحة يمكن تطويعها والانفتاح عليها وصولاً إلى حالة أكثر تفاعلية بين الأعمال والتقنية، والتقنية والجمهور.

في واحدة من التجارب الناجحة، استطاع شريك مشروع "الفنون البصرية: نماء واستدامة" (VAFF)؛ مركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله، افتتاح معرضه الإلكتروني الأول في 4 حزيران 2020 تحت عنوان "الفنان في منظومة العمل" للقيّمة نور عبد، بحيث طرح تجربة محلية جديدة لشكل المعارض الإلكترونية، بمشاركة 10 أعمال لـ16 فناناً/ة من فلسطين ومصر ولبنان وكوريا والبرازيل، من ضمنها 4 أعمال لمجموعات، و6 لفنانين منفردين، وقد تنوعت الإنتاجات ما بين البصري، والنصي، والسمعي.

فيما يتعلق بتكامل هذا المعرض مع توجه مشروع (VAFF)، قالت مديرة المشروع يارا عودة: "منذ بداية تصادمنا مع تبعات أزمة كورونا على العمل الثقافي في فلسطين، وبالأخص على عمل شركاء مشروع (VAFF)، خضنا نقاشات ما زالت قائمة حتى اليوم للخروج بطرق عمل تستجيب للظرف الراهن، وتُبقي على مساحة المرونة التي تمكّن المؤسسات من الخروج بمبادرات مميزة وإبداعية جديدة، ومن بينها هذا المعرض.

وأضافت: لقد رافقنا المركز منذ البداية في تحويل معرضهم من أروقة المكان الفيزيائي إلى الفضاء الافتراضي، وتحويل تحدي هذه المرحلة إلى فرصة نوعية وناجحة جداً في وقت قصير، وموارد مالية وتقنية متواضعة؛ مقاومةً بذلك حالة العزلة المفروضة، ومستغلةً إمكانيات التكنولوجيا لعرض الأعمال التي قدمت للفنانين المشاركين مساحة حرة للتعبير عن أفكارهم وتجاربهم ومخاوفهم في ظل الوضع الجديد، وقد تمّ ذلك بشكل افتراضي متاح لجمهور أوسع، وأكثر تنوعاً وانخراطاً مع هذه الأعمال".

يضم المعرض مجموعة من الأعمال التي تحاول استكشاف تموقع الفنان ضمن النموذج الاقتصادي القائم، والمقلقل بطبيعته، ليفترض عبر انتكاسة هذا النظام عدم وجود بنية تحتية فيه تحمي أو ترى بالحد الأدنى قطاعات الإنتاج الفني، فيشكل هذا النظام هيكلاً اقتصادياً لا يشغل به الفنان الفرد تحديداً حيزه.  

وتقول قيّمة المعرض نور عبد: "في ظل الأحداث الأخيرة التي يشهدها العالم، تم الكشف عن التصدعات والهشاشة المتجذرة في النماذج الاقتصادية الحالية، وبالتالي، أصبح العمل على المعرض في ظل هذه الظروف أكثر أهمية".

وبعد أن كان الحيز والمعرض القائم فيزيائياً يشكل أساساً مهماً في بناء "معرض"، وبينما كان العمل على الشبكة الإلكترونية هو شيء تكميلي لا أكثر، قلبت الموازين، في ظل الأزمة الحالية، وانعدام إمكانية التواجد الجماعي في حيز مشترك، وبالتالي فُقد خيار وجود "جمهور" يستحوذ على الفضاء ويتفاعل معه.  من هنا بدأ فريق السكاكيني، ونور عبد، بالتعاون مع الفنانين المشاركين بالمعرض، بعمل حوارات مطولة ونقاشات، حول إمكانية إتمام المعرض في ظل الظرف الراهن.  وكيف يمكن تطويع الإنترنت لاحتواء المعرض، بشكل يتناسب وموضوعه، ولا يُفقده شيئاً من قيمته المفاهيمية.

واستطاع كل عمل أن يحمل هويته البصرية في العرض، بإتاحة تصميم الصفحات الخاصة بالأعمال بناءً على تصور الفنان المنتج لها، بمساعدة المصمم.  هذا الأمر الذي ضاعف الجهد، ولكنه أنتج توليفة مشكّلة من النماذج البصرية والسمعية.  في الوقت ذاته، وبشكل عام، أتاح هذا الانتقال فرصة وصول وانفتاح على جمهور أوسع من جميع أنحاء العالم، ما كان ليحدث لو أنه افتتح في فضاء المركز.

وتقول مديرة مركز خليل السكاكيني، ريناد شقيرات: "كمديرة جديدة، وفي الفترة الانتقالية، بدأنا بالتفكير في توجهات المركز وإدارته، وأبعادها الاجتماعية والثقافية، ومدى انسجام ذلك مع رؤيتنا، وهو ما حاولنا عكسه في المعرض، بحيث حاولنا إعطاء مساحة فضفاضة للقيمة والفنانين لتطوير وتوجيه أعمالهم بناءً على رؤيتهم الخاصة، ما كوّن بيننا علاقة شراكة تكاملية، وغير هرمية بالضرورة".

تطلب نقل المعرض إلى الصيغة الإلكترونية تغييراً كاملاً في أعمال بعض الفنانين، بعد أن كان الإعلان المفتوح لطلبات المشاركة مبنيّاً على افتراض افتتاح المعرض في المساحة الفيزيائية لمركز خليل السكاكيني، ليتحول، مثلاً، مقترح بناء مقهى مؤقت في كراج المركز -يعمل بشكل تجريبي كنموذج عمل غير استهلاكي- إلى مجموعة من الرسائل النصية التي تلقاها الفنان فيليب ستينبرغ، مع تصاعد الأزمة، وانفلات أشكال جديدة من التواصل، ليبني عمله الجديد "لستُ أنا، ليسَ هنا"، بعد أن أُجبر الجميع على المكوث لأسابيع في البيت.

أما في عمل عاكف دراوشة وهديل يعقوب فقد أعادتهما "الأزمة" إلى أسئلة المعرض الأولى، نتيجة لاختلال كل ما حولهما، "فلم يعد الأمر مقتصراً على منظومة عمل مرتبكة فقط، بل ومعطلة فوق ذلك"، ليحاكي "أزمة إنتاج" في فيديو، وتسجيلاً صوتياً لحالة الأرق لفنان في الحجر، وأسئلة الإنتاج وقيمته وسط حالة من الهلع، والخوف، والترقب.

بينما تم في أعمال أخرى إعادة التفكير في شكل العرض وليس مضمونه، مثل عمل مجموعة حكايا "فن قلق"، الذي تم تقديمه من خلال تسجيل صوتي مسبق التحضير، بعد أن كان من المفترض أن يكون عرضاً حيّاً، بأسلوب "الحكواتي".

تخلّ هذه التجربة بإيقاع العرض المعتاد، وتحدث انفصالاً للفنان عن جمهوره، وغياب التفاعل المادي، إضافة إلى صعوبة التواصل بين الفنان وقيمة المعرض في كثير من المرات، لكنها أعادت ضبط وتشكيل سبل التواصل، وخلقت، ببساطة، حالة بصرية رقمية، تستطيع إيصالك إلى مكان لا يمكنك الوصول إليه.

عوضاً عن فتح المعرض "أونلاين"، فقد تم بناء برنامجه العام بصيغة افتراضية موازية للبرنامج العام الخاص بالمعرض، والمعد مسبقاً للافتتاح في المركز، الذي تشكل من مجموعة من المحاضرات والحوارات والورشات، وكان قد بدأ العمل به قبل افتتاح المعرض، بغرض تطوير بعض المشاريع عبره، وهي مستمرة حتى الآن.

استُحدثت أيضاً ضمن البرنامج العام منح إنتاج صغيرة، يتم من خلالها دعم إنتاج أعمال فنية، أو أبحاث، أو كتابات، أو مواد نقدية، أو تقديم محاضرات، تبني على أعمال المعرض، وتستوحى منها، وذلك لتعزيز إشراك الجمهور وانخراطهم، وكجزء من تفكير البرنامج العام في دعم الفنانين والإنتاج.

استطاع معرض "الفنان في منظومة العمل" عبر إتمامه في مثل هذه الفترة العصيبة، كسر العديد من القوالب، عبر إدراك خيارات جديدة، وتوجيهنا إلى إعادة النظر في سبل العمل عند انعدام التوازن، والأمان، والحرية، في مقابل حالة القلق المفاجئة.

تضيف القيّمة عبد: "من منظور شخصي، أثارت هذه العملية في نفسي، حالة من المصالحة مع اللحظة الحالية، والعمل بحالة عمياء لكنها حرة مع ما هو غير مؤكد، و/أو ما أجهله، أو لم أعد أعرفه".

 

لـ ترتيل معمر؛ منسقة مساعدة في مشروع "الفنون البصرية: نماء واستدامة"/ VAFF