Home مؤسسة عبد المحسن القطان الإعلام أخبار معرض "صورة ذاتية" ينطلق من "نفق الخدمات" بجامعة النجاح ويُعيد إحياء الفن في سياق اجتماعي

معرض "صورة ذاتية" ينطلق من "نفق الخدمات" بجامعة النجاح ويُعيد إحياء الفن في سياق اجتماعي

في مُنتصف النفق تجدُ صورتك الذاتية ظاهرة ومرسومة على جدار، أو مُعلّقة على أرجوحة، وأحياناً تجدها تتدحرج مع كرة القش لتكتشف ذاتها، أو تُعيد صياغة هويتها بعد اشتباكها مع نفسها داخل قارورة ماء، وفي لحظة ما تجدها تعود إلى الذكريات بحثاً عن ثوبها الضائع.

تلك الصور الفنية التي وُضعت في سياقها الاجتماعي عبّر عن مضمونها طلبة السنة الرابعة من كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية، بعد انخراطهم في مشروع "الثقافة والفنون والمشاركة المجتمعية" الذي تنفذه وحدة التكون التربوي/برنامج الثقافة والتربية في مؤسسة عبد المحسن القطان، بالتعاون مع جامعة النجاح الوطنية، بدعم مشارك من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون ((SDC، حيث انخرطوا فنياً يوم الاثنين الماضي مع مجتمعهم من داخل مقر "نفق الخدمات" التابع للجامعة؛ بهدف إشراكهم في مضمون تلك المشاريع التي شملت أعمالاً فنية وبصرية متنوعة، والتي وُضعت ضمن معرض أطلق عليه اسم "صورة ذاتية".

وخلال حفل افتتاح المعرض، أكدت المديرة العامة لمؤسسة عبد المحسن القطان فداء توما، على أهمية الشراكة مع الجامعة في توظيف الثقافة والفن للتعبير عن قضايا مجتمعية، موضحةً أن المعرض هو جزء من مشروع شامل في "الثقافة والفنون"، والهادف إلى تحويل الفعل المجتمعي إلى أعمال فنية بعد عملية من البحث والتأمل، واستخدام أدوات فنية خاصة، بجانب إبقاء الطلبة على تواصل دائم مع المجتمع، بهدف إحداث حراك مجتمعي تجاه قضايا مهمة ومتنوعة.

بدورها، أشادت مديرة البرنامج في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC) راغدة إسحاق، بالدور الذي لعبته الجامعة وطلبتها في المساهمة في إنجاح هدف المشروع، وإحداث التغيير والنهوض بالواقع الثقافي، من خلال تجنيد الأدوات الفنية للتعبير عن قضايا تمس المجتمع بشكل مباشر، معربةً عن سعادتها في اتخاذ "نفق الخدمات" في الجامعة مقراً للمعرض.

وشكرت إسحاق، في كلمتها خلال حفل الافتتاح، دور الشركاء في عملية التغيير، مضيفة: "أتمنى استمرارية المكان، وليس اقتصاره على عرض لمشاريع ضمن مساقات أكاديمية".

ويستند المعرض إلى أعمال فنية وبصرية نابعة عن عملية بحث اجتماعي قام بها الطلبة ضمن المشروع في موضوع "الفنون في السياق الاجتماعي" في مراحل سابقة، وصولاً إلى مرحلة التنفيذ الفني الأخيرة، وبإشراف الفنان التشكيلي رأفت أسعد، حيث يتعرف من خلالها الفنان (الطالب) على ذاته وعلاقته مع الإنسان، من خلال عمله الشخصي، ويُعيد رسم صورته من خلال تجسيد أعمال تسلط الضوء على الهم الاجتماعي والسياسي، باستخدامه أدوات فنية خاصة، وتقنيات حديثة كـالتصوير والمونتاج، والتسجيل.

قال أسعد، المشرف على مشاريع الطلبة، خلال افتتاح المعرض: أعاد الطلبة إحياء الفن من خلال مشاركتهم في معرض "صورة ذاتية"، حيث تمكنوا من التعبير عن أنفسهم، واكتشاف ذاتهم، من خلال تواصلهم مع المجتمع، ووضع تجاربهم الفنية ضمن سياق اجتماعي باستخدام أدواتهم الخاصة".

وأوضح أن اختيار "نفق الخدمات" كمعرض للأعمال الفنية جاء بعد عملية بحث مطول، لإيجاد أنسب المواقع التي تبتعد عن النمط التقليدي، وفيه اتصال مباشر مع المجتمع، قائلاً: "النفق يأخذنا إلى مكان آخر ... حيث التواصل بحرية مع المجتمع".

وفي السياق ذاته، أشار الأستاذ في كلية الفنون الجميلة بجامعة النجاح، أحمد أبو الرب، وهو المشرف على أبحاث الطلبة، إلى أن اختيار مضامين المشاريع جاء بعد عملية بحث وزيارات ميدانية قام بها الطلبة، حيث كان هدفها الاشتباك المباشر مع الواقع المجتمعي، ما ساهم في خلق حافز لديهم للعمل نتيجة صدق التجربة التي مروا بها خلال تفاعلهم مع محطيهم.

وأضاف: "خلال الفصل الدراسي، تمت مناقشة أفكارهم، وقياس مراحل تطورهم، واتساع رؤيتهم تجاه القضية المختارة، وتحديد التحديات وإمكانية التنفيذ وطبيعة الأدوات الفنية، بجانب تدعيم الجانب الثقافي للمشكلة المطروحة في المشروع قبل البدء بالتنفيذ".

وضمن فعاليات المعرض، حاولت الطالبة ريم عاموس (طولكرم) من خلال عملها الأدائي "الفعل المضارع"، أن تعكس تجربتها الشخصية، وأن تعود بذاكرتها إلى مقاعد الدراسية، حيث اتباع أسلوب التلقين والحفظ والتكرار في إيصال المعلومة، موضحةً الفكرة من خلال تكرارها لجملة: الفعل المضارع هو الفعل الذي يدل على حدث يقع في الزمن الحاضر.

أما الطالب حسن صندوقة (القدس)، فقد اشتبك فنياً مع الحضور، من خلال عمله" ظاهر باطن"، وباستخدام اللوحات الزيتية ورسم (البورتريه) والفيديو تمكن من إيصال فكرته التي تعكس تجربته الخاصة مع الشبكة العنكبوتية "الإنترنت"، وما تُحدثه مشاهدة الأفلام الإباحية من ضرر نفسي واجتماعي عميق.

وقال صندوقة أثناء افتتاح المعرض: "من خلال عملي الفني تمكنت من إيصال فكرتي الجريئة، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال ردود فعل الحضور، ما يدفعني إلى تطوير ذاتي وفكرتي وموهبتي، وطرق قضايا يهاب المجتمع الحديث عنها".

 

أما الطالبة إيزيس محاجنة (أم الفحم)، فقد منحت الحضور مساحة فنية للتأمل والتخيل ضمن عملها "أنت ماء (انتماء)"، الذي يحاكي الهوية الفلسطينية، وما يعيشه أهلنا في الداخل المحتل من صراع في التعريف عن هويتهم الوطنية.

قالت محاجنة وهي تنظر إلى وعاء الماء الذي يعتبر جزءاً من العمل، وشكل حالة ثورية لدى البعض: "عندما تسابق الحضور إلى توجيه التساؤلات إلي، والبعض منهم قد أخذ وقتاً في التأمل، شعرت حينها بأنني قد حققت هدفي؛ لكون المجتمع هو جزء من عملي، وقد أوصلت فكرتي لجميع الفئات العمرية ... أشعر بالسعادة والفخر".

أما الطالبة مريم جبارين (أم الفحم)، فقد عبرت عن ذاتها ضمن عملها "كرة قش"، وعن الإنسان الفلسطيني الذي يعيش النقب الصحراوي، حيث يُحرم من أبسط مقومات الحياة والخدمات.

وقالت جبارين: "الفكرة جاءت من لحظة الانكشاف، وانتقالي للعيش في منطقة النقب، ووجدت الكرة التي تتحرك بفعل الريح هي الأنسب لتجسيد فكرة التهجير؛ أي التنقل الإجباري".

كما اصطحبت الطالبة أفنان عقاد (جت-المثلث) الحضور ضمن فعاليات المعرض في رحلة طويلة للبحث عن ثوب جدتها ضمن عملها الفني "رحلة بحث"، حيث سارت في رحلتها ضمن خارطة لا تتضمن بلداناً أو تضاريس، وإنما أشخاص يسردون قصصاً وحكاياً عن الزي الفلسطيني القديم.  وبصوتها الجميل، أعادت إحياء ذاكرة ثوب جدتها.

يذكر أن المعرض حضره عدد من أساتذة وطلبة كلية الفنون وطلبة الجامعة من مختلف التخصصات، ورؤساء الأقسام والأكاديميين والإداريين في الجامعة، بجانب ممثلين عن مؤسسة عبد المحسن القطان، والوكالة الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC).

"هي أعمال مميزة، حيث حصد الطلبة من خلال المشروع خبرات إضافية، وتعرفوا على أساليب وأدوات البحث الفني والعلمي من خلال انخراطهم مع المجتمع، والتعرف على قضاياه، وعرضها ضمن أعمال فنية باستخدام الأدوات الحديثة والتكنولوجيا" ... هذا ما قالته رئيس قسم الفنون التشكيلية، لينا حرب، خلال مشاركتها فعاليات المعرض، مشيرةً إلى أن المشروع قد منح طلبة كلية الفنون المساحة الكافية للتعبير عن أعمالهم الإبداعية، والخروج من دائرة الاتهامات في اتباع الإطار التقليدي، ومواكبة كل ما هو جديد.

في السياق ذاته، أوضح عميد كلية الفنون الجميلة سابقاً د. محمد جبر، أن مشروع "الثقافة والفنون" ساهم في تحقيق أهداف كلية الفنون، حيث تقاطعا معاً في اتجاه واحد، باعتبار "أن لا حدود للفن"؛ قائلاً: "الفن اتسع نطاقه ليطال نفق الخدمات، حيث رصدنا ردود فعل الطلبة حينما شاهدوا النفق بحلته الثقافية والفنية، حيث كانوا يرونه نفقاً عادياً تمر عبره السيارات".

وأوضح جبر أنه يجري النقاش في إدارة الجامعة لاعتماد "نفق الخدمات" منبراً ومساحة للتعبير عن الأعمال الثقافية، دون اقتصاره فقط على دوره كـ"مصف للسيارات"، وإنما تطويره ضمن سياق ثقافي مُلهم، بجانب اللجوء إلى البحث عن أماكن أخرى بغرض الاستفادة منها، وتحقيق التفاعل المباشر مع المجتمع.

وقد شكل المعرض حافزاً للعديد من الطلبة، وخطوة نحو تحويل الأبحاث إلى أعمال فنية وبصرية تحاكي في مضمونها القضايا المجتمعية المتنوعة، التي يمكن رصدها وعرضها داخل "نفق".

بدورها، قالت الطالبة علا عيسى (سنة ثالثة) في كلية الفنون الجميلة: "أتمنى المشاركة في المشروع مستقبلاً، حيث استوقفتني أعمال زملائي في الدراسة، وتركت أثراً إيجابياً في ذاتي، ومنذ اللحظة أصبحت أفكر في مضمون مشروعي، وأين سوف أضعه، وهل سيُعرض في النفق ذاته أم في مكان آخر مُهم؟".

هذا، وبقي المعرض مفتوحاً أمام الجمهور والطلبة لمدة ثلاثة أيام، وتتم دراسة نقله الى جامعات أخرى ليشكل نموذجاً ملهماً لمشاريع الطلبة في كليات الفنون في تلك الجامعات.