الرئيسية مؤسسة عبد المحسن القطان الإعلام أخبار غزة: مبنى "المدرسة الكامليّة" الأثري المهجور.. رحلة عام من الاستقصاء والعمل

غزة: مبنى "المدرسة الكامليّة" الأثري المهجور.. رحلة عام من الاستقصاء والعمل

يباشر اليوم الاثنين 8 تشرين الأول 2018 نحو 55 طالباً وطالبة عملية تنظيف المبنى الأثري المهجور والمهمل للمدرسة الكاملية في غزة، ضمن رحلة من الاستقصاء والبحث والعمل والتعلّم حول هذه المدرسة، خاضها الطلاب على مدار العام.

 

ابتدأت رحلة الطلاب مع المدرسة الكاملية في كانون الثاني/يناير 2018، حين التقت ثلاثة فرق طلابية من ثلاث مدارس إعدادية في غزة حول فكرةٍ وسؤال.  فكرةٌ تولّدت من دهشتهم لدى اكتشاف وجود مبنى أثري جميل ومهجور لمدرسة بالغة في القدم، تعود إلى بدايات القرن الثالث عشر، يختبئ مبناها القديم بين مجموعة من المحال التجارية والبنايات في البلدة القديمة في غزة، ويعاني الإهمال وتقلّبات الزمن وجهل المجتمع به.  وقد ولّدت الفكرة لديهم سؤالاً كبيراً جمعهم معاً: "ما الذي يمكننا فعله لأجل إحياء هذا المكان؟".

 

وعلى الرغم من أنّ رحلة الفرق الطلابيّة مع المدرسة بدأت مطلع هذا العام، فإنّ كلاً منها يمثّل مشروعاً تعلّمياً مختلفاً تشكّل منذ العام 2017، وذلك ضمن مسار التكوّن المهني للمعلمين والمعلمات في برنامج البحث والتطوير التربوي بمؤسسة عبد المحسن القطان في غزة، حيث تتابع تطويرها مديرة مكتب غزة علا بدوي.

 

وهذه المشاريع هي "غزة القديمة" الذي تتشاركه المعلمة أحلام شلدان مع طالبات من مدرسة بنات الرمال الإعدادية (أ)، ويهدف إلى استكشاف غزة القديمة، وتعريف المجتمع بها، عبر إعادة إنتاجها وفق منظور الطالبات، ومشروع "كتابات" الذي يتشاركه المعلم وسام عابد مع طلاب من مدرسة ذكور النصيرات الإعدادية، ويسعى إلى اكتشاف فعل الكتابة في حياة المجتمع، والمشروع الثالث "صائدو كنوز غزة" الذي شرعت فيه المعلمة إسراء أبو القمصان في بداية هذا العام مع طالبات من مدرسة بنات غزة الإعدادية (ب).

 

تشير المصادر إلى أنّ المدرسة قد تم إنشاؤها في العام 1237م في عهد الملك الكامل بن الملك العادل الأيوبيّ وسميت بالكاملية نسبة إليه، حيث كانت مفتوحة لأبناء السبيل وطلبة العلم والفقراء خلال العهد الأيوبي والمملوكي والعثماني، وبعد ذلك أصبحت المدرسة مهجورة، لم يتم تنفيذ أيّ نشاط تعليمي بها حتى يومنا هذا.

 

 

التقى الطلاب والطالبات يحملون مشاعرهم المختلفة والمتناقضة إثر اكتشاف المبنى، من دهشة وفرح بجماله وقدمه، وأحلام كبيرة وتصوّرات مشرقة لما يمكن أن يؤول إليه المبنى، تقابلها صدمة وحزن للحال التي يعانيها، وتساؤلات متعدّدة حول تاريخ المدرسة وحكايتها وملكيّتها وأسباب إهمالها إلى الشكل الذي أصبحت عليه، وعلاقة المجتمع المحيط بها بما آلت إليه أحوالها، لاسيّما في ضوء وجود عائلة تقطن ركناً من الجزء العلوي للمبنى، وتدعي أنها تستأجره، على الرغم من أقاويل متعددة للمجتمع حول عدم معرفة المالك، ووجود ادعاءات عدة بملكيّتها.  وعلى الرغم من الغموض والحيرة والشعور بضخامة التحدّي الذي يواجههم، اتفق الطلاب والطالبات عبر المشاريع الثلاثة على أنّ البدء في إحياء المدرسة الكاملية قد أصبح مسؤوليتهم، وفكروا في أنه يمكنهم فعل ذلك عبر تنظيف المدرسة ومحاولة ترميم ما يمكنهم منها، إضافة إلى إطلاق مجموعة من الأنشطة المجتمعية المتواصلة فيها، وهنا بدأ التحدّي الكبير: من أين نبدأ وكيف؟

 

بدأوا بزيارات استكشافية للتعرف على المدرسة، بشكل مختلف، وعلى المباني القديمة المجاورة لها، بالتعاون مع المهندسة نسمة السلاق من فريق كنعان، التي ساعدتهم عبر ما نظمته من ورش عمل وأنشطة على تطوير معرفتهم بالتراث وأشكاله، وشاركتهم في استكشاف بعض تجاربها في العمل مع المباني الأثرية القديمة في غزة، وزوّدتهم ببعض المعلومات عن مبنى المدرسة الكاملية.

 

انطلق الطلاب في رحلة بحثية في المكتبات، وعبر الإنترنت، يحاولون جمع كل ما يمكنهم العثور عليه حول المدرسة الكاملية، وكلّما مضوا في البحث، واجهوا شحّ المعلومات وندرتها وتناقضها، إضافة إلى حداثة معظم المنشور عن المدرسة وتزامنه مع فترة بداية معرفتهم بها، والتقوا مراراً خلال عملهم البحثي في مركز برنامج البحث والتطوير التربوي في غزة، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي يتشاركون ما يجمعونه وما يطرحونه من تساؤلات وفرضيّات يعيدون صياغتها في كل مرة، بالشراكة مع معلميهم.

 

جمع الطلاب عدداً من الصور والمعلومات عن مدارس قديمة بعضها مجهولة الاسم، وبعضها تدور حوله الشكوك بأنه مبنى الكاملية نفسه، ما جعل الطلاب والطالبات يقومون بعملية مقارنة ودراسة لأشكال هذه المباني وطبيعة هندستها وتصميمها، للوصول إلى الحقيقة حولها، حتى توصلوا إلى أنها ليست المدرسة ذاتها التي يبحثون حولها، وقرروا تحديد مجموعة من الجهات المختصّة والمصادر التي قد تفيدهم في التعرف أكثر على المدرسة، وفهم حكايتها، وكيف يمكنهم الانطلاق في إحيائها.

 

نظم الطلاب جولات استكشافية لاحقة لمحيط المدرسة، حاولوا خلالها رسم المبنى وعمل مخطط للمنطقة المحيطة به، لتحديد البيوت والأزقة وساكنيها، ثمّ قاموا بعمل مقابلات مع الناس القاطنين فيها، ومع أصحاب المحال التجارية، يحدوهم الأمل في اكتشاف قصص لطلاب أو طالبات قدامى قد درسوا في المدرسة في أواخر عهدها، وكلما امتدت بهم رحلة البحث، ازداد الغموض وازدادت حيرتهم، وتضاعفت تساؤلاتهم، فاسم المدرسة مجهول، وتاريخ إغلاقها مجهول، وتتضارب المعلومات بخصوصه.  كما أطلقوا عملية بحث جديدة بين طالبات إحدى المدارس الموجودة في المنطقة، علّهن يلتقين أحداً من كبار السنّ يمكنه إخبارهم عن المدرسة.

 

نجحوا في معرفة سيدتين؛ السيدة آمنة حبيب، وجدة إحدى الطالبات السيدة هاجر الشوبكي التي قالت إنها تتذكر أنها كانت مدرسة للبنات، وقد كانت تذهب إلى المدرسة سيراً على الأقدام، وقد كان عدد الطالبات 40 - 45 طالبةً، والحصص الدراسية فيها 5 يومياً، تحدثت عن الحقائب التي كن يرتدينها، وعن شكل المقاعد التي كن يجلسن عليها، وتتمنى أن تعود المدرسة كما كانت.

 

 

نظّم الطلاب، بالتعاون مع برنامج البحث والتطوير التربوي، عدداً من المقابلات والزيارات والأنشطة، منها زيارة لدائرة الأراضي، حيث قابلوا السيد كامل ماضي، وناقشوه في موضوع ملكية المدرسة، وازدادت حيرتهم بعدم توصّلهم إلى هوية مالك المدرسة، كما توجهوا إلى وزارة السياحة والآثار، وقابلوا د. جمال أبو ريدة ليكتشفوا إشكالية أخرى، تتمثل في عدم مقدرة الوزارة على تعويض مالك المدرسة حال ظهوره، أو تعويض المستأجر الذي يقطنها، وأنه يمكنها توفير الحماية القانونية لهم في حال بدأوا بالترميم، وتوجّه الطلاب على إثرها لزيارة عائلة أبو يوسف الرزي التي تسكن جزءاً من المدرسة، والتقطوا صوراً للمدرسة وللغرفة التي تعتبر غرفة صفية، وقامت العائلة بضمها إلى منزلهم بإغلاق الباب الذي يؤدي إلى باقي صفوف المدرسة، وقام أحدهم بقياس مساحات الغرف، بعد أن أخبرتهم الحجة أم يوسف بأنها تقطن الغرفة منذ 55 سنة تقريباً، وأن المدرسة كانت تعمل في ذلك الوقت، ولكن عندما ضاقت المدرسة على الطالبات، انتقلت إلى مبنى آخر هو مدرسة الرملة.

 

كما تعلّم الطلاب والطالبات عن طبيعة البلدة القديمة والبيوت الأثرية في ورشة خاصّة مع الباحثة هيام البيطار من وزارة السياحة.

 

توجّه الطلاب إلى مركز إيوان في الجامعة الإسلامية للاستفادة من خبرتهم في ترميم الأماكن الأثرية، وقابلوا المهندس محمود البلعاوي الذي عرّفهم على الأضرار التي لحقت بالمبنى عبر قراءة وتحليل لمجموعة من الصور الملتقطة لأركان المبنى وغرفه.

 

قام الطلاب والطالبات، أيضاً، بزيارة مكان أثري تم ترميمه حديثاً، وهو مقام الخضر في دير البلح، الذي تحول إلى مكتبة، ومركز ثقافي، حيث استقبلتهم مؤسسة نوى للثقافة والفنون، وتعرّفوا هناك إلى حال المكان قبل عمليات التنظيف والترميم وبعده، ما زاد إصرارهم على مواصلة العمل لتحقيق غايتهم، وفي "الحاكورة" أو البيارة قريباً من مقام الخضر اجتمعت الفرق الثلاثة، لتأمّل مسيرة العمل على مدى الأشهر الماضية، وتخطيط المرحلة القادمة.  بعض الطالبات تحمّست لجمال الفسيفساء في المقام، وطرحت فكرة توظيفها في المدرسة الكاملية، لاسيّما أنّهن خضن مع رفيقاتهن في مشروع غزة القديمة عملية استكشاف سابقة للفسيفساء.

 

اجتمعت الفرق الثلاثة في نهاية العطلة الصيفية للمدارس لتطوير خطة عملهم وترتيب الأولويات وتوزيع المهام بين الفرق الثلاثة، وناقشوا معاً سيلاً من التساؤلات والاقتراحات والأفكار، واقتسموا معاً إعداد ثلاثة تصورات، أحدها لتنظيف المدرسة، والآخر للمساهمة في ترميمها وتنفيذ عمل جماليّ بها، والأخير لتجهيز إطار قانوني للعمل، وانطلقت المشاريع الثلاثة بالعمل.

 

 

بدأت الطالبات مع المهندسة نشوى الرملاوي من مركز إيوان بإعداد خطة لتنظيف المدرسة، ولدى انتهائهنّ منها واقتراب يوم البدء، واجهت الطالبات والطلاب تحدّياً جديداً، حيث اكتشفوا أنّ هناك مجموعة من 10 طلاب وطالبات قد بدأوا بالفعل بتنظيف المدرسة في إطار مبادرة خاصة بهم، وهنا ظهرت فرصة جديدة لاكتشاف كيفيّة تحويل الاشتباك مع الآخر إلى عمل منتج، والتعلّم عبر الممارسة عن أهميّة المشاركة المجتمعية والتعاون، وأهمية تنظيم العمل بين أفراد المجتمع.

 

ومن المقرر متابعة عملية تنظيف المدرسة، وتطوير مهارات الطلاب والطالبات في التعامل مع المبنى القديم بإشراف مختصّ الآثار فضل العطل، والمهندسة نشوى الرملاوي.

 

حول إحياء المدرسة الكاملية تتحدث الطالبة ندا سعد: "لدينا تراث وآثار، ومجتمعنا غير مهتمّ بها، ولا يعطيها حقها أو حتى يحافظ عليها، من واجبنا توعيته بموروثنا الثقافي والعمل على تغيير النظرة السائدة، والبدء في العمل بأيدينا".

 

وأضافت الطالبة شهد العرعير "نحن نعمل على رفع قدر مجتمعنا عالياً، من خلال الحفاظ على تاريخ أجدادنا".

 

أما الطالبة شهد فليونة، فقد ذكرت أن "تراثنا تركه لنا أجدادنا، وفي حال لم نهتم به، سيقوم الاحتلال بطمسه أكثر فأكثر".

 

وعبّر الطالب عبد الرحمن إسماعيل عن حلمه قائلاً "أطمح إلى تحويل مبنى المدرسة الكاملية إلى صرح يهتمّ بالبحث العلمي".

 

وأردف باسم الغفير" نرغب في إحياء المدرسة الكاملية وتوعية المجتمع بأهميتها، وتحويلها إلى مركز للبحث والاستكشاف، وأن تحتوي على أقدم آثار قطاع غزة، لتكون أيقونة ومعلماً".