Home مؤسسة عبد المحسن القطان الإعلام أخبار "بدنا مكان" يُعانق أحلام طالبات مدرسة الجاروشية في طولكرم

"بدنا مكان" يُعانق أحلام طالبات مدرسة الجاروشية في طولكرم

تسلقن حلمهن الصغير رغم التعثر، واجتمعن معاً بشغفهن الطفولي في رحلة للبحث عنه، وطرقن أبواباً تخبئه، ولامسن جدراناً تكاد تنطق به، وبحثن بين أدراج منازلهن المضيئة عن حكايا تُدلل عليه وتوثق أهميته، حتى أنهن حاورن أبطاله كي يُعدْن إحياءه من جديد.

"بدنا مكان" حُلم يجسد بمضمونه المجتمعي والثقافي حكاية طالبات مدرسة الجاروشية الأساسية المختلطة في طولكرم، اللواتي انخرطن في مشروع مجتمعي للبحث عن مكان مُغاير يحتضن مواهبهن وقدراتهن الفنية، ويُعيد إحياء الطاقات الكامنة لديهن، ويمنحهن المساحة الحرة للتعبير عن أنفسهن، بجانب الاشتباك فنياً ومجتمعياً مع المجتمع المحيط بهن.

"بدنا مكان يعبر عنا وعن هويتنا" ... هذا ما تبحث عنه الطفلة تالا غانم (9 سنوات)، حيث لم تجد مركزاً في قريتها الجاروشية يمكنه أن يحتضن موهبتها الفنية في عمل المشغولات اليدوية بواسطة مواد بسيطة.  كما أنها تحلم كباقي أقرانها بتوفير مكان تتواجد فيه أبسط الإمكانيات كـ: المكتبة، معرض للفنون، استديو للتصوير، مسرح، مركز لتعليم الموسيقى، الأشغال اليدوية، اللغات، مسبح، قاعة رياضية، غرفة حاسوب.

 

رحلة تحقيق الحلم!

الرحلة بدأت منذ عام؛ أي بعد أن انخرطت 25 طالبة من الجاروشية في "مسار مبادرات المعلمين"، المنفذ في مدرسة الجاروشية الأساسية المختلطة، ضمن مشروع الثقافة والفنون والمشاركة المجتمعية، الذي تنفذه مؤسسة عبد المحسن القطَّان، بدعم مشارك من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC).

"قالت إحدى الطالبات نريد مكاناً لتطوير مواهبنا ... ومن هنا انطلقت مبادرة "بدنا مكان"".  هكذا بدأت معلمة العلوم في مدرسة الجاروشية، ازدهار حمدان حديثها عن رحلة البحث عن هوية المكان، ضمن مبادرة "بدنا مكان"، موضحةً أن المبادرة قد انطلقت من إصرار الطالبات ورغبتهن في إيجاد مكان يعبر عنهن في ظل نقص الأماكن والمراكز الثقافية في قريتهم الجاروشية.

وقالت حمدان: "البداية كانت صعبة، حيث بدأنا العمل في ظل انتشار الكوفيد، واستمرينا رغم ذلك، وعقدنا لقاءات افتراضية لنوصل صوتنا، ولم نتوقف حتى هذه اللحظة حتى نجد المكان".

ولمعرفة ماذا يريده أطفال القرية، قامت الطالبات بتوزيع استمارات على أطفال القرية وأهاليها، تضمنت أسئلة تتعلق بما ينقصهم داخل قريتهم، ويلبي احتياجاتهم، وينمي من مواهبهم، حيث اقترحوا مجتمعين، تنفيذ أنشطة وفعاليات حول الموسيقى، والرسم، والأشغال اليدوية، بعد العديد من اللقاءات والحوارات التي دارت داخل مدرسة الجاروشية التي اتخذها الطلبة مكاناً للتعبير عن قدراتهم.

وخلال تنفيذ مراحل المشروع، اكتسبت الطالبات، بصحبة الأمهات، مهارات فنية في عمل المشغولات اليدوية المميزة، بواسطة مواد بسيطة "غير مستعملة"، حيث صنعن الإكسسوارات والحُلي بصحبة الفنانة روان بزبزت، وتعلمن مبادئ المسرح والدراما من الفنانة رهام اسحق، كما انخرطن في مسار مجتمعي للاشتباك مع محطيهن، ورصد ما يدور فيه من قصص وحكايات مخبأة، أبطالها أشخاص تركوا بصمة في ذاكرة سكان قرية الجاروشية وحاضرهم، لكي يتم تجسيدها على خشبة المسرح.

ومن باب العمل التشاركي وإشراك المجتمع المحلي في تحقيق حلم "المكان"، قامت الطالبات والمعلمة ازدهار، وبمشاركة الأهالي والمجلس القروي، بإعادة تأهيل وتحسين وتنظيم الساحة الخلفية لمدرسة الجاروشية كي تصبح متنفساً للطالبات.

 

"بالكم هذا الحلم بتحقق؟!"

"هل سيتحقق الحلم؟!" ... هكذا تساءلت طالبات الجاروشية، وبصوت واحد، خلال عمل أدائي وفني قدمنه على مسرح داخل منزل المواطن "شداد زيدان"، الذي احتضن اليوم الختامي لمبادرة "بدنا مكان" الذي نُفذ يوم الثلاثاء 28/12/2021، والذي شكل نتاج ثمرة جهد الطالبات بمساهمة أهالي القرية، ومجلس قروي الجاروشية، والجهات الداعمة والمنفذة للمشروع.

"حلم كل أطفال الجاروشية، مكان حلو كثير بجمع مواهب متعددة، بس للأسف ما في مكان يجمعنا ويكشف مواهبنا الحلوة" ... هذا ما كتبته الطالبة ليليان عمر (14 عاماً) في رسالة عنوانها "حلم الارتقاء بقريتي الجاروشية"، التي وجهتها للمسؤولين والحاضرين في الحفل الختامي، معبرةً فيها عن تمسك أطفال القرية بحلمهم في "إيجاد المكان".

بدوره، قال رئيس مجلس قروي الجاروشية مصطفى قعدان، رداً على رسالة ليليان بعد أن سرد كلماتها أمام الحضور، ومتأثراً بمضمونها: "سنوفر لكم المكان الذي يحتضن مواهبكم، وأنا أعدكم بذلك"، موضحاً أنه سيتم تخصيص مكان للطلبة في مبنى المجلس القروي.

يذكر أن الحفل الختامي حضره الطالبات ومعلمات مدرسة الجاروشية وعدد من أهالي القرية، ورئيس المجلس القروي، وممثلون عن المجلس، وعن مؤسسة عبد المحسن القطان والوكالة السويسرية للتنمية والتعاون (SDC).

وتخلل الحفل فقرات ثقافية وفنية (دبكة شعبية) قدمتها الطالبات المشاركات في المشروع، حيث جسدن من خلالها فكرة المبادرة ومضمونها وأهدافها، وقدمن عملاً مسرحياً يحاكي رغبتهن وحلمهن في إيجاد المكان.  كما تفاعل الحضور في التعبير عن فخرهم لما قدمته الطالبات والأمهات من إنجاز يعكس حكاية القرية، ويعبر عن أهلها.  وتنقل الحضور ما بين شجرة وأخرى ليلتقطوا الصور التذكارية لبعض المشغولات اليدوية والمجوهرات ومنها "المندلة" وهي "قرص دائري يحتوي على أوراق شجر وكل ما تورده الطبيعة"، حيث تعبر بمضمونها عن جمالية القرية.

"الطالبات يمتلكن طاقات كبيرة، وما عُرض اليوم هو جزء من تلك الطاقات، فهن بحاجة إلى توفير الأدوات اللازمة لهن، وتطوير قدراتهن، بجانب توفير مكان يلائم تلك القدرات ويحتضن مواهبهن" ... هذا ما قالته الفنانة روان بزبزت أثناء الحفل الختامي.

كما سردت الطالبات حكايا الأماكن القديمة غير المعروفة، ومنها منزل شداد زيدان الحاضن للحفل الختامي، ومنزل جمال عثمان الذي يحتضن العديد من الصور لبعض الشخصيات الاعتبارية المؤثرة، ومنها الزعيم السياسي والروحي للهند مهاتما غاندي.  كما تحدثن عن شخصيات مؤثرة في القرية ومنها: عفاف قعدان "أم مصطفى" التي تولت إدارة مدرسة الجاروشية لمدة 36 عاماً، وندى قرمش "أم محمد" التي تركت مهنة التعليم بعد 24 عاماً لأجل أبنائها رغم حبها لها.

وعبرت الفنانة رهام اسحق عن سعادتها في رصد ردود فعل الحضور الإيجابية تجاه ما شاهدوه من أعمال مسرحية، قائلة: "الجمهور كان فخوراً بهم، ومن خلال الأعمال، قمنا بتعريف الحضور بقرية الجاروشية، ثم انتقلنا إلى الحديث عن أهمية المنزل الحاضن للاحتفال، ثم كان الختام برصد حلم الطالبات ... لقد دُهشت من أداء الطالبات".

بدورها، أشادت مسؤولة المشاريع الثقافية في الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون راغدة إسحق، بما حققته مبادرة "بدنا مكان"، حيث جسدت أهداف المشروع بإحداث تفاعل مجتمعي، قائلة: "سُعدت جداً بما شاهدته اليوم، حيث الانخراط معاً ما بين الطالبات والمعلمات والمجتمع، وبما قدمته الطالبات، وبكل ثقة، وقد لامسن مشاعر الحضور بما عرضنه من قصص قد تأثرن بها".

وأضافت، مشيرةً إلى رسالة رئيس المجلس القروي بتوفير مكان للطالبات: "أسعدني التجاوب الذاتي، ونأمل أن يتحقق حلم الطالبات في توفير مكان لهن قريباً".